(Al Sharq, 19/12/2012) قطر ودبلوماسية المهام الصعبة

تعمل القيادة القطرية للاستفادة من الحاضر من أجل الانطلاق نحو غد أفضل وأكثر ازدهارا، فهي تراهن على الإنسان أولا، فالاستراتيجية القطرية تقوم على مرتكزين أساسيين، الموارد البشرية والثروات المادية، وفي هذا الصدد تحرص القيادة القطرية على تأمين كل المتطلبات الضرورية لتأهيل الشباب القطري وتزويده بكل المعارف العلمية والعملية من خلال ابتعاث أكبر عدد من الطلاب القطريين للدراسة في جامعة قطر والجامعات العربية والأجنبية، وإرسالهم إلى دورات تدريبية إلى أهم الشركات والمؤسسات والمراكز في العالم، وجلب أفضل الكفاءات إلى البلاد للتدريب الميداني ونقل الخبرات مباشرة إلى الشباب القطري لرفع كفاءته وتجهيز الكفاءات المطلوبة للتعامل مع المستقبل.

ويواكب الرهان الكبير على الإنسان القطري تقديم فرص كبيرة للشباب العربي للمساهمة في بناء قطر وصناعة مستقبلها، وفتح المجال أمام الشباب العرب للاندماج في سوق العمل القطري، مما يعبر عن التوجه « العروبي » للقيادة القطرية والدولة القطرية ككل، وظهر واضحا بفتح المجال أمام استقدام العمالة المصرية المؤهلة إلى قطر من دون سقف، إضافة إلى التوجه لتنفيذ مشاريع استثمارية قطرية لتوفير فرص عمل للشباب العرب.

التنمية القطرية لم تتوقف عند حدود التفكير قصير المدى، بل ذهبت أبعد من ذلك بالتخطيط للعقدين القادمين، الأمر الذي يطال المجالات العملية والتربوية والثقافية والصحية والمشاريع الإنمائية وغيرها من المشاريع التي حولت البلاد إلى ورشة عمل كبيرة.

أما على الصعيد السياسي فقد كرست القيادة القطرية مبدأ « القوة الهادئة » التي تهدف تخفيف حدة التوتر ونزع فتيل الأزمات في مناطق التوتر العربية واستخدمت « القوة الناعمة » استخداما رشيدا من أجل صالح قطر والأمة العربية، وهذا ما برز في الدور السياسي القطري الفاعل في إطفاء الحرائق، الذي حول قطر إلى « رجل مطافئ » لإخماد الحرائق في المنطقة الأمر الذي لقي ثناء عالميا وإقليميا ومحليا، وهو ما تشهد عليه دارفور ولبنان واليمن والصومال وارتريا وجيبوتي وإثيوبيا وفلسطين، فقد تمكنت الدبلوماسية القطرية من الحيلولة دون انزلاق لبنان إلى حرب أهلية جديدة، ودون اندلاع حرب بين ارتريا وجيبوتي ونجحت بتخفيف التوتر في دارفور، وهي ملفات صعبة ومعقدة، منحت السياسة القطرية مصداقية على المستوى العربي والعالمي، وجعل من قطر « وسيطا مقبولا » من كل الأطراف.

لكن القوة القطرية الناعمة والهادئة سرعان ما تحولت إلى « قوة خشنة » ماديا ومعنويا عندما تطلبت الظروف ذلك، كما حدث في ليبيا عندما دعمت الدوحة الثورة الليبية بالمال والسلاح وإلى جانب العمل السياسي والدبلوماسي والإعلامي في مواجهة سفاح محترف لم يكن يتورع عن قتل شعبه، وساندت الثورة الليبية عسكريا للتخلص من دكتاتور دموي، وكذلك الأمر في سوريا، إذ لم يكن هناك من خيار إلا دعم الثورة السورية المطالبة بالحرية في مواجهة نظام دموي مجرم، وهو ما نال رضي الشعوب العربية، وتحولت الدوحة إلى كعبة للمضيوم والمظلوم وإلى ملجأ للمعذبين في الأرض، وباتت منبرا للحرية والسلام والخير.

لم تبخل قطر على أحد بشيء ماديا ومعنويا، ويسجل لأميرها الذي يستحق لقب « شيخ العرب وأميرهم » بلا منازع أنه كسر الحصار على غزة مرتين، وأعلن مواقفه العملية المؤيدة لفلسطين وشعبها من ارض غزة، وصنع سابقة سجلها التاريخ له بأحرف من نور، واثبت أنه العربي الذي لا يسلم أخاه مهما كان الثمن، لأنه لم يتردد بدعم الشعوب العربية المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة.

القيادة القطرية راهنت على المستقبل وعلى الأمة العربية العظيمة وعلى المستقبل العربي، وانتهجت سياسة لم تضع بيضها كله في سلة واحدة، فالسياسة فن الممكن وفن المناورة والجمع بين الأضداد والمتناقضات، والقيادة القطرية الحيوية والفاعلة لا تنفك تبتكر أنماطا جديدة من التحركات السياسية، توائم بين الأبعاد المصلحية والأخلاقية وبين القوة الناعمة والخشنة وبين التحرك الهادئ والقتال إلى جانب المظلومين.

القيادة القطرية تقف في الضفة الصحيحة من التاريخ لأنها تراهن على الشعوب وعلى الأمة، وعلى شبابها وإمكاناتها وثرواتها البشرية والمادية وعمقها الحضاري الذي قدم للإنسانية الأبجدية والعلم وكل الأديان.

سمير الحجاوي
(صحفي أردني)
البريد الالكترونى: hijjawis@yahoo.com

Cet article, publié dans Qatar, est tagué , , . Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s